هل الاقتصاد المصري يتحسن؟
بعض الأرقام تقول نعم.
لكن هل شعر المواطن المصري بهذا التحسن؟
لأن قصة الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة لا يمكن اختصارها في رقم نمو أو احتياطي نقدي أو تحويلات قياسية من الخارج.
هناك جانب آخر من القصة.
دين مرتفع.
فوائد تلتهم جزءاً ضخماً من موارد الدولة.
أسعار تضاعفت خلال سنوات قليلة.
دخول فقدت جزءاً كبيراً من قوتها الشرائية.
وطبقة متوسطة وجدت نفسها مطالبة مرة بعد مرة بتحمل فاتورة الإصلاح الاقتصادي.
وهنا تكمن المفارقة.
نعم.. هناك تحسن
لا يمكن إنكار أن بعض المؤشرات الاقتصادية الرئيسية أصبحت أفضل مما كانت عليه في ذروة أزمة العملة.
احتياطي النقد الأجنبي وصل في نهاية يوليو تموز 2026 إلى نحو 56.3 مليار دولار.
وتحويلات المصريين العاملين بالخارج سجلت رقماً قياسياً بلغ 47.3 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، بزيادة 29.6% عن العام السابق.
النمو أيضاً عاد إلى معدلات أفضل.
لكن هنا تبدأ أولى التناقضات.
فالحكومة تستهدف تحقيق نمو بنحو 5.4% خلال السنة المالية الحالية 2026/2027، وتضع سيناريو أكثر تحفظاً عند 5.2%.
أما صندوق النقد الدولي، فهو أقل تفاؤلاً، ويتوقع أن يتباطأ النمو إلى نحو 4.4% خلال العام المالي نفسه، تحت تأثير ضعف الاستثمار، وارتفاع تكاليف التمويل، وعدم اليقين الناتج عن التوترات الإقليمية.
أي أن الاقتصاد يتحسن، نعم.
وأزمة الدولار التي عطلت الاستيراد والإنتاج وخلقت سوقاً موازية للعملة تراجعت إلى حد كبير.
إذن من الخطأ القول إن شيئاً لم يتحسن.
تحسن بالفعل.
لكن الخطأ المقابل هو الاعتقاد أن تحسن هذه الأرقام يعني أن السياسة الاقتصادية نجحت بالكامل.
لأن الاقتصاد ليس مجموعة مؤشرات فقط.
الاقتصاد في النهاية هو حياة الناس.
المواطن هو الذي دفع الفاتورة
خلال سنوات الأزمة تعرض الجنيه لتراجعات كبيرة، وارتفعت أسعار الوقود والطاقة والخدمات والسلع الغذائية، ووجد المواطن نفسه أمام موجات متتالية من التضخم.
ورغم تراجع التضخم مقارنة بذروته السابقة، فإنه لا يزال مرتفعاً.
ففي يوليو تموز 2026 بلغ التضخم السنوي في المدن 14.9%، وبلغ التضخم الأساسي 14.7%.
والأكثر إثارة للقلق أن صندوق النقد يتوقع أن يرتفع التضخم إلى نحو 16.7% خلال النصف الثاني من 2026، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع سعر الصرف، وتأثيرات سنة الأساس.
أي أن معركة الأسعار لم تنتهِ بعد.
وهنا يجب أن نتذكر شيئاً بسيطاً كثيراً ما يضيع وسط لغة الأرقام:
انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار.
عندما يرتفع سعر سلعة من 100 جنيه إلى 200 جنيه، ثم ينخفض معدل التضخم، لا تعود السلعة إلى 100 جنيه.
قد تصبح 215 بدلاً من 230.
وهنا يستطيع المسؤول أن يقول إن التضخم تباطأ.
ويستطيع المواطن في الوقت نفسه أن يقول إن الحياة ما زالت أغلى.
وكلاهما على حق.
المشكلة أن الأجور لم تتحرك بالسرعة نفسها التي تحركت بها تكاليف المعيشة.
والنتيجة أن ملايين المصريين فقدوا القيمة الحقيقية لدخولهم.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: عندما ينمو الاقتصاد بينما تتراجع القوة الشرائية لمن يعيشون فيه.
أين ذهب الإنفاق؟
هنا يصبح السؤال أكثر حساسية.
مصر أنفقت خلال السنوات الماضية مبالغ ضخمة على البنية الأساسية والمشروعات الكبرى والمدن والطرق والمواصلات.
كثير من هذه المشروعات مهم، وبعضها كان ضرورياً بالفعل.
لكن السؤال الذي يتردد اليوم، وربما أصبح من الضروري مناقشته بوضوح، هو:
هل كان ترتيب الأولويات صحيحاً؟
هل كان ينبغي أن تتحمل الدولة هذا الحجم من الاقتراض والإنفاق في فترة زمنية قصيرة؟
هل كان يمكن تنفيذ بعض المشروعات بوتيرة أبطأ؟
وهل كان من الأفضل توجيه مساحة أكبر من الموارد إلى التعليم والصحة والأجور وتحسين جودة الخدمات العامة؟
هذه الأسئلة لا تعني رفض بناء الطرق أو المدن.
لكن الاقتصاد دائماً هو فن الاختيار بين استخدامات محدودة للمال.
كل جنيه تضعه الدولة في مشروع هو جنيه لا تضعه في مكان آخر.
وكل قرض تحصل عليه اليوم يجب أن يُسدَّد غداً، إما من الضرائب، أو من خفض إنفاق آخر، أو من زيادة الإيرادات، أو من الاقتراض مجدداً.
وهنا نصل إلى أخطر أرقام الاقتصاد المصري.
83% من الإيرادات الضريبية للفوائد
صندوق النقد الدولي يقول إن مدفوعات الفائدة على الأساس النقدي تستوعب نحو 83% من الإيرادات الضريبية للحكومة.
ليس هذا فقط.
الصندوق يحذر أيضاً من أن عبء خدمة الدين يزاحم الإنفاق الضروري، ويضغط على قدرة الدولة على تمويل التنمية والخدمات.
فكر في الرقم ببساطة.
تخيل أن الدولة تجمع 100 جنيه من الضرائب.
ثم يذهب نحو 83 جنيهاً منها إلى فوائد الدين.
كم يتبقى للصحة؟
وللتعليم؟
ولزيادة أجور المدرسين والأطباء؟
ولتحسين المستشفيات؟
ولشبكات الحماية الاجتماعية؟
وللاستثمار الذي يخلق فرص عمل جديدة؟
هنا تحديداً تظهر الكلفة الحقيقية للدين.
مشكلة الدين ليست مجرد رقم كبير مكتوب في دفاتر الحكومة.
المشكلة أن الدين يبدأ في أكل المستقبل.
كلما ارتفعت الفوائد، قلت قدرة الدولة على توجيه مواردها إلى المواطن.
وهذا ربما يكون أهم نقد يمكن توجيهه للسياسات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة.
لقد تم بناء أصول كثيرة.
لكن في المقابل، تضخمت فاتورة التمويل.
والسؤال المشروع الآن هو:
هل حققت كل هذه الأصول عائداً اقتصادياً يكفي لتبرير حجم وتكلفة الدين الذي استُخدم في تمويلها؟
المشكلة ليست في الاقتراض وحده
كل دول العالم تقترض.
والدين في حد ذاته ليس خطيئة اقتصادية.
السؤال هو:
ماذا فعلت بالدين؟
إذا اقترضت لكي تنشئ مصنعاً أو ميناء أو بنية أساسية ترفع الإنتاج والصادرات لسنوات طويلة، فقد يولد الاستثمار دخلاً يساعدك على سداد الدين.
لكن إذا أصبح الاقتصاد يحتاج إلى الاقتراض باستمرار لسداد التزامات سابقة، أو إذا لم تحقق المشروعات عائداً اقتصادياً بالسرعة والحجم المطلوبين، تتحول المسألة إلى دائرة صعبة:
نقترض.
نسدد فوائد.
ثم نقترض مجدداً.
وهذا هو السبب في أن الحديث الحالي عن خفض الدين لا ينبغي أن يكون مجرد هدف محاسبي.
بل يجب أن يصبح محور السياسة الاقتصادية كلها.
لماذا لم يشعر المواطن بالإصلاح؟
الجواب ربما لأن معظم الإصلاحات خلال السنوات الأخيرة استهدفت استعادة توازن الاقتصاد الكلي أكثر مما استهدفت تحسين مستوى المعيشة مباشرة.
تحرير سعر الصرف.
رفع أسعار الطاقة.
رفع معدلات الفائدة.
خفض بعض أشكال الدعم.
زيادة الإيرادات الحكومية.
كلها إجراءات قد تكون لها مبررات اقتصادية.
لكنها في الوقت نفسه لها تكلفة اجتماعية.
ومن دفع هذه التكلفة؟
في النهاية المواطن.
دفعها في فاتورة الكهرباء.
وفي البنزين.
وفي الطعام.
وفي الدواء.
وفي التعليم.
وفي قيمة الجنيه الذي يحصل عليه آخر الشهر.
ومن هنا يصبح من غير الكافي أن يقال للمواطن إن الاحتياطي ارتفع أو أن سوق الصرف استقرت.
هذه أخبار جيدة للدولة.
لكن المواطن يريد أن يعرف:
متى تصبح أخباراً جيدة له أيضاً؟
خطاب السيسي.. المشكلة وصلت إلى البيت
لهذا كان لافتاً أن يتجه الخطاب الرسمي الأخير للرئيس عبد الفتاح السيسي بصورة أكثر وضوحاً إلى الأسعار والأسواق واحتياجات المواطنين.
التحول مهم.
لكن المطلوب الآن أكثر من ضبط الأسواق.
لأن ارتفاع الأسعار ليس كله نتيجة جشع التجار أو ضعف الرقابة.
جزء كبير منه نتيجة مباشرة لارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل والتمويل، وتراجع قيمة العملة خلال السنوات السابقة.
وبالتالي لا يمكن حل مشكلة مستوى المعيشة بحملات رقابية فقط.
الحل الحقيقي هو أن يزيد دخل المواطن بمعدل أسرع من الأسعار.
أن ينتج الاقتصاد وظائف أفضل.
أن تزيد الإنتاجية.
أن تستطيع الشركات دفع أجور أعلى.
وأن تنخفض تكلفة خدمة الدين حتى تستعيد الدولة مساحة مالية تستطيع أن تنفق منها على الإنسان.
هل أخطأت الدولة في ترتيب الأولويات؟
هذا ربما يكون السؤال الذي يجب أن تبدأ مصر في مناقشته بجدية.
ليس: هل المشروعات الكبرى جيدة أم سيئة؟
ولكن:
هل نفذنا منها أكثر مما يحتمله الاقتصاد في وقت واحد؟
هل اقترضنا أكثر مما ينبغي؟
هل كان يجب أن يأتي الاستثمار في الإنسان قبل بعض المشروعات؟
وهل أخطأنا حين تصورنا أن البنية الأساسية وحدها ستقود تلقائياً إلى نمو اقتصادي يشعر به المواطن؟
هذه الأسئلة لا تلغي ما تم إنجازه.
لكن الدول لا تتقدم فقط حين تحتفل بما فعلته.
تتقدم عندما تراجع ما فعلته وتسأل:
ماذا كان يمكن أن نفعل بشكل أفضل؟
إذن.. نتفاءل أم نتشاءم؟
هناك ما يدعو إلى التفاؤل.
الاحتياطي أفضل.
سوق الصرف أكثر استقراراً.
التحويلات قوية.
والاقتصاد عاد إلى النمو.
لكن هناك أيضاً أسباب قوية للحذر.
لأنه لا يمكن قياس النجاح الاقتصادي فقط بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية.
يجب أن يقاس أيضاً بقدرة الأسرة المصرية على الوفاء بالتزاماتها في نهاية الشهر.
ولا يكفي أن يتحسن الناتج المحلي إذا تراجعت جودة حياة المواطن.
ولا يكفي أن يرتفع الاحتياطي إذا ظلت المدارس والمستشفيات والأجور تعاني من نقص الموارد.
ولا يكفي أن نقول إن الدين يسير في مسار هبوطي إذا ظلت فوائده تستهلك معظم الإيرادات الضريبية.
ربما تكون مصر قد نجحت بالفعل في الخروج من أخطر مراحل أزمة الاقتصاد الكلي.
لكن السؤال الأصعب بدأ الآن:
هل تستطيع الدولة إصلاح الاقتصاد من دون أن تطلب من المواطن في كل مرة أن يدفع الثمن؟
هذا هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.
ليس كم طريقاً بنينا.
ولا كم مليار دولار في الاحتياطي.
ولا كم مراجعة اجتزناها مع صندوق النقد.
الاختبار هو:
هل يستطيع المصري أن يعيش بشكل أفضل؟
لأن الاقتصاد الذي تتحسن أرقامه ولا تتحسن حياة الناس معه قد يكون اقتصاداً أكثر استقراراً.
لكنه ليس اقتصاداً ناجحاً.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي