خاص CNBC عربية_ محمد سالم
بدأ صناع القرار في مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي لواحد من أكثر اجتماعاتهم أهمية منذ سنوات، حين يجتمعون الآن لتحديد مسار أسعار الفائدة، في وقت تتصاعد فيه الضغوط من البيت الأبيض والرئيس الأميركي للتيسير النقدي، بينما تشير بيانات التضخم وسوق العمل إلى أن المهمة لم تُنجز بعد.
للمرة الأولى منذ فترة طويلة، تميل رهانات الأسواق نحو احتمال رفع الفائدة في انعكاس حاد لمسار كان يسير في الاتجاه المعاكس طوال العام الماضي.. فإلي أي الطرق يتجه الفدرالي بقيادة رئيسه كيفن وارش؟
ماذا قال أعضاء الفدرالي الأميركي؟
أكدت تصريحات أعضاء بارزين في الفدرالي الأميركي خلال الأيام الماضية أن التضخم ما زال يمثل التحدي الأكبر أمام السياسة النقدية.
شدد مايكل بار على أن الأسعار لا تزال أعلى من الهدف البالغ 2%، وأن الفدرالي يجب أن يكون مستعداً للتحرك نحو رفع الفائدة إذا لم تظهر بيانات أغسطس تراجعاً واضحاً.
هذا الموقف يعكس قلقاً من استمرار الضغوط السعرية رغم بعض مؤشرات التراجع، ويمنح الأسواق إشارات بأن خيار التشديد لا يزال مطروحاً بقوة.
في المقابل، اتخذ كريستوفر والر موقفاً أكثر حذراً، إذ دعا إلى التريث وعدم التسرع في رفع الفائدة، قائلاً إن على الفدرالي أن "يعطي الانخفاض فرصة" إذا واصلت البيانات إظهار مسار نزولي للتضخم.
ولكنه لم يستبعد اللجوء إلى رفع الفائدة إذا جاءت مؤشرات أغسطس سلبية، ما يعكس انقساماً داخل اللجنة بين أصوات متشددة وأخرى تدعو إلى التوازن.
هذا التباين في المواقف زاد من حالة عدم اليقين في الأسواق، حيث ارتفعت احتمالات تثبيت الفائدة إلى نحو 58%، فيما بقي خيار الرفع قائماً بقوة مع اقتراب اجتماع سبتمبر.
تحول في الاتجاه؟
أنهى الفدرالي عام 2025 بثلاثة تخفيضات متتالية بواقع ربع نقطة مئوية في كل مرة، لتصل الفائدة إلى نطاق 3.5%–3.75% في ديسمبر/كانون الأول، وهو أدنى مستوى لها منذ أوائل 2022.
وكانت تلك الخطوات تهدف إلى دعم سوق عمل بدأ يفقد زخمه.
غير أن اللجنة أبقت الفائدة عند هذا المستوى طوال شهور مارس ويونيو ويوليو من عام 2026، في مؤشر إلى أن دورة التيسير توقفت، ولو مؤقتاً.
اجتماع 29 يوليو شهد تصويتاً منقسماً بشكل لافت، حيث أن تسعة أعضاء أيدوا الإبقاء على الفائدة دون تغيير، بينما عارض ثلاثة من رؤساء البنوك الإقليمية القرار وطالبوا برفع الفائدة ربع نقطة، وهم بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس، وفق شبكة CNBC.
وكانت هذه أول مرة منذ 2016 يتفق فيها ثلاثة أعضاء على معارضة القرار من الاتجاه نفسه، ما اعتبره محللون مؤشراً على تحول تدريجي في مزاج اللجنة نحو مزيد من التشدد، خصوصاً مع استمرار التضخم فوق هدف 2% لأكثر من خمس سنوات متتالية.
جاكسون هول تقلب الموازين
وجاء الاختبار الأبرز لمسار السياسة النقدية خلال كلمة رئيس الفدرالي كيفن وارش، في ندوة جاكسون هول السنوية أواخر أغسطس.
ورغم تجنبه تقديم توجيهات مسبقة واضحة حول قرار سبتمبر، اتخذ وارش نبرة تحذيرية بشأن التضخم، مؤكداً أن التركيز الأساسي للفدرالي حالياً ينبغي أن ينصبّ على استقرار الأسعار.
ولفت إلى أن أكثر من نصف مكونات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) قد سجلت ارتفاعات تفوق 3% خلال العام الماضي، وهو ما اعتبره دليلاً على أن الاتجاهات الأساسية للتضخم لم تتحسن فعلياً رغم تراجع القراءات الأخيرة عن ذروتها.
رد فعل الأسواق كان فورياً وحاداً، فقد قفزت احتمالات رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر، وفق أداة "فيد واتش" التابعة لبورصة شيكاغو التجارية، من نحو الثلث إلى ما يقارب النصف مباشرة بعد الخطاب.
ويرى محللون أن وارش، الذي عُرف تاريخياً بميوله التشددية تجاه التضخم خلال فترة عمله محافظاً في الفدرالي بين 2006 و2011، يسعى إلى ترسيخ مصداقيته المبكرة كرئيس جديد عبر إبقاء الباب مفتوحاً أمام رفع محتمل، بدل الانصياع لضغوط سياسية تدعو للتيسير.
مسار التضخم في 2026
وشهد مسار التضخم الأميركي هذا العام تقلبات حادة ارتبطت بشكل مباشر بتطورات جيوسياسية.
فقد استقر معدل التضخم السنوي عند 2.4% في يناير وفبراير، وهو من أدنى المستويات منذ منتصف 2025، قبل أن ينقلب المشهد بشكل جذري مع اندلاع الحرب مع إيران أواخر فبراير وما تبعها من اضطراب في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات إمدادات النفط العالميةن وفق فينانشال تايمز.
كما قفز التضخم إلى 3.3% في مارس، مسجلاً أكبر زيادة شهرية منذ منتصف 2022 بنسبة 0.9%، مدفوعاً بارتفاع أسعار البنزين أكثر من 21% خلال شهر واحد فقط.
وتفاقم الأمر في أبريل ليبلغ التضخم 3.8%، مع قفزة أسعار خام برنت من نحو 70 دولاراً للبرميل قبل الحرب إلى قرابة 118 دولاراً، ما دفع أسعار الوقود في محطات البنزين الأميركية للاقتراب من 4.5 دولارات للغالون.
وبلغ التضخم ذروته عند 4.2% في مايو، قبل أن يبدأ مساراً تنازلياً تدريجياً مع تراجع حدة الصدمة النفطية، لينخفض إلى 3.5% في يونيو ثم إلى 3.4% في يوليو.
أما بيانات التضخم الأميركية الصادرة في 11 سبتمبر/أيلول 2026 أظهرت استقرار المعدل السنوي عند 3.4%، مع ارتفاع شهري في أغسطس قوي بلغ 0.4%، وهو الأعلى منذ مايو، ما عزز توقعات رفع الفائدة في اجتماع الفدرالي يومي 15 و16 سبتمبر بنسبة تقارب 90%.
هذه الأرقام جاءت متماشية مع التوقعات لكنها أبرزت ضغوط أسعار الطاقة والوقود، وهو ما يضع الفدرالي أمام معضلة بين السيطرة على التضخم والحفاظ على النمو.
التضخم الأساسي
أما التضخم الأساسي، الذي يستثني الطاقة والغذاء المتقلبين، فقد بقي أكثر استقراراً نسبياً، إذ تراجع من 2.9% في مايو إلى 2.6% في يونيو ثم إلى 2.5% في يوليو، وهو أدنى مستوى له في خمسة أشهر، مدعوماً بتباطؤ طفيف في تكاليف السكن وأسعار تذاكر الطيران والملابس.
بعض الاقتصاديين أن هذا التباعد بين المؤشرين يعكس أن الصدمة كانت في جوهرها مرتبطة بالطاقة، ولم تتحول بعد إلى موجة تضخم عامة وشاملة، وإن كان مسؤولون في الفدرالي، وعلى رأسهم وارش، يرون أن الاستقرار النسبي للتضخم الأساسي لا يعني بالضرورة أن المهمة اكتملت.
كيف تعقّدت حسابات الفدرالي؟
جاء تقرير التوظيف الأميركي لشهر أغسطس، ليضيف تعقيداً جديداً للمشهد.
فقد أضاف الاقتصاد الأميركي 162 ألف وظيفة، بأكثر من ثلاثة أضعاف توقعات المحللين التي كانت تدور حول 53 إلى 58 ألف وظيفة، في أقوى أداء شهري منذ مارس.
وبقي معدل البطالة مستقراً عند 4.1%، فيما ارتفعت الأجور بالساعة 0.3% شهرياً و3.1% على أساس سنوي.
كما جرى تعديل بيانات يونيو ويوليو بالزيادة بما مجموعه 55 ألف وظيفة إضافية، وهو ما محا التراجع الذي كان قد سُجّل سابقاً في يوليو.
هذه الأرقام، القوية دفعت احتمالات رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر للارتفاع مجدداً إلى ما بين 60% و68% وفق تقديرات مختلفة لأسواق العقود الآجلة، بعدما كانت في حدود النصف قبل صدور التقرير.
ويرى مراقبون أن قوة سوق العمل تُفقد حجة المطالبين بخفض الفائدة لدعم التوظيف، وتمنح المتشددين داخل اللجنة، ذخيرة إضافية لتكرار مطالبتهم برفع الفائدة، بينما يبقى العبء الأكبر على تقرير التضخم لشهر أغسطس المرتقب صدوره الجمعة المقبلة، والذي سيكون آخر مؤشر حاسم قبل اجتماع اللجنة.
ماذا يقول الخبراء؟
في حديثه مع CNBC عربية، يشدد رئيس قسم الأسواق العالمية في Cedra Markets جو يرق، على أن أرقام التضخم والمستهلكين هي العامل الحاسم في اجتماع الفدرالي المقبل.
وأوضح أن كيفن وارش ركز في خطابه الأخير على استقرار سوق العمل، وهو ما دعمته بيانات الوظائف الأخيرة، لكن المخاوف لدي بعض أعضاء الفدرالي أن التضخم يأتي من جانب العرض لا الطلب.
يرق أشار إلى أن بعض أعضاء الفدرالي يميلون إلى الإبقاء على الفائدة، فيما يرى آخرون أن رفعها ضروري هذا العام، وسط ضغوط متواصلة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لخفض الفائدة دعماً للنمو.
وأضاف أن أي قرار برفع الفائدة سيضع مصداقية الفدرالي ووارش على المحك.
هاني أبو عاقلة: رفع الفائدة شبه مؤكد
ومن جانبه، كبير محللي الأسواق في XTB هاني أبو عاقلة في مقابلة خاصة مع ـCNBC عربية يتوقع أن تكون الطريق مفتوحة أمام رفع الفائدة بنسبة تفوق 60%.
وأكد أن بيانات البطالة والأجور جاءت أفضل من المتوقع، ما يمنح الفدرالي مساحة للتحرك.
أبو عاقلة أوضح أن استقرار التضخم عند حدود 3.4% يكون مبرراً قوياً لرفع الفائدة في سبتمبر، مع إمكانية استمرار الزيادات حتى نهاية العام.
لكنه حذر من أن ارتفاع عوائد السندات يشكل عائقاً أمام استمرار التشدد، إذ يضغط على تكلفة الدين والإنفاق الحكومي.
نقاط الاتفاق والاختلاف
ويتفق الخبيران على أن بيانات التضخم هي العامل الحاسم في تحديد مسار الفائدة، وأن سوق العمل الأميركي يقدم دعماً لسياسة أكثر تشدداً.
ويري جو يرق إن الفدرالي ما زال أمام صراع داخلي وضغوط سياسية قد تعرقل رفع الفائدة، بينما هاني أبو عاقلة يعتبر أن رفع الفائدة شبه محسوم، مع ترقب بيانات إضافية لتحديد وتيرة الزيادات حتى ديسمبر.
ضغوط ترامب تتصاعد
وفي مقابل الأصوات المتشددة داخل الفدرالي، يمارس البيت الأبيض ضغوطاً لدفع البنك المركزي نحو خفض الفائدة، رغم أن الرئيس دونالد ترامب هو من رشّح كيفن وارش نفسه لرئاسة المؤسسة خلفاً لباول.
فقد وجّه ترامب، إلى جانب نائبه ووزير خزانته وأحد كبار مستشاريه الاقتصاديين، حملة علنية مكثفة خلال الأسبوع الماضي تدعو الفدرالي لعدم رفع الفائدة، بل خفضها.
وبلغت الضغوط ذروتها الجمعة الماضي حين هدد ترامب بوقف التبادل التجاري مع الدول التي تحقق فوائض تجارية مع الولايات المتحدة ما لم يخفض الفدرالي أسعار الفائدة، في تصعيد غير معتاد حتى بمقاييس انتقاداته المتكررة للمؤسسة النقدية المستقلة، وفق شبكة CNBC.
بوادر لخلاف بين وارش وترامب؟
وتبرز حالة من التوتر بين رغبة ترامب في خفض معدلات الفائدة لدعم الإسكان والاقتصاد، وبين توجه وورش لتقليص ميزانية الفدرالي الضخمة، ما قد يرفع تكاليف الاقتراض، وفق تقرير واشنطن بوست، مؤكدة وجود تناقض بين أولويات البيت الأبيض وسياسات رئيس الفدرالي الجديد.
ورغم أن ترامب تجنب حتى الآن مهاجمة وارش بشكل مباشر كما فعل مع باول سابقاً، فإن التباين الواضح بين الخطاب التشددي لرئيس الفدرالي في جاكسون هول وموقف الإدارة الأميركية يضع وارش أمام اختبار مبكر لمدى استقلالية قراره عن الضغوط السياسية التي رشّحته أصلاً لمنصبه.
إلى أين يتجه القرار؟
ويبقى اجتماع اليوم 16 سبتمبر مفتوحاً على احتمالين رئيسيين:
_ إما استمرار التجميد عند نطاق 3.5%–3.75% للاجتماع الرابع على التوالي مع تشديد لهجة البيان.
_ أو أول رفع للفائدة منذ سنوات في خطوة قد تُنهي رسمياً حقبة التيسير التي بدأت أواخر 2025.
ومما يزيد الاجتماع أهمية أنه أحد اجتماعات "التوقعات الاقتصادية" الأربعة في العام، والتي ستتضمن تحديث "مخطط النقاط" الذي يكشف توقعات فرادى الأعضاء لمسار الفائدة حتى 2027، وهو ما سيمنح الأسواق صورة أوضح بكثير من مجرد قرار الإبقاء أو الرفع بمفرده.
وبينما تعلّق الأسواق آمالها على تقرير تضخم أغسطس المرتقب الجمعة المقبل كمحطة حاسمة أخيرة، يبدو أن الجدل يدور حول سؤال أكثر عمقاً:
هل ستنجح إدارة ترامب في صياغة العلاقة بين النمو والتضخم التي بُني عليها عمل البنوك المركزية لعقود، أم سيصمد الفدرالي تحت قيادة وارش في مواجهة الضغوط؟
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي