الفدرالي الأميركي بين ضغوط ترامب واستقلالية وارش.. معركة نقدية تهز الأسواق العالمية

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

 

يشهد الاحتياطي الفدرالي الأميركي واحدة من أكثر لحظاته حساسية منذ تأسيسه قبل أكثر من قرن، مع تصاعد الضغوط السياسية المباشرة من الرئيس دونالد ترامب على رئيسه الجديد كيفن وارش.

 

فبينما تدفع بيانات التوظيف القوية والتضخم المرتفع نحو رفع أسعار الفائدة، يصرّ البيت الأبيض على خفضها، ما يضع استقلالية المؤسسة النقدية في اختبار غير مسبوق.

ومعركة قضائية حول تركيبة مجلس المحافظين تزيد المشهد تعقيداً، لتتحول قرارات الفدرالي إلى قضية سياسية واقتصادية عالمية تتجاوز حدود الولايات المتحدة.

فبعد أشهر قليلة من تنصيب كيفن وارش رئيساً جديداً للاحتياطي الفدرالي الأميركي خلفاً لجيروم باول، يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه في مواجهة مباشرة مع الرجل الذي اختاره بنفسه لقيادة البنك المركزي.

 



 

وبحسب تقرير لشبكة "سي إن بي سي"، دخلت الإدارة الأميركية في الأيام الأخيرة في حملة ضغط علنية واسعة على الاحتياطي الفدرالي لثنيه عن رفع أسعار الفائدة، شارك فيها الرئيس ونائبه ووزير الخزانة وأحد كبار مستشاريه الاقتصاديين، في مستوى غير معتاد حتى بمقاييس انتقادات ترامب الطويلة للبنك المركزي.

المفارقة أن وارش نفسه كان قد رُشّح في الأساس على أمل أن يكون أكثر تجاوباً مع مطالب الرئيس بخفض الفائدة، إلا أن الوقائع الاقتصادية، وعلى رأسها تضخم عنيد، تدفعه في الاتجاه المعاكس تماماً.

بيانات التوظيف تشعل فتيل الأزمة

وجاء التصعيد الأخير عقب صدور بيانات سوق العمل الأميركي لشهر أغسطس، والتي أظهرت إضافة نحو 162 ألف وظيفة جديدة، متجاوزة بشكل كبير توقعات المحللين التي لم تتجاوز 56 ألف وظيفة.

هذا الأداء القوي، الذي جاء رغم الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد الأميركي من صدمة أسعار النفط الناجمة عن الحرب مع إيران، عزز قناعة الأسواق بأن الاحتياطي الفدرالي سيمضي في رفع الفائدة خلال اجتماعه المقرر في 16 سبتمبر.

وعلّق ستيفن براون، كبير الاقتصاديين لأمريكا الشمالية في مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس"، بأنه يصعب حتى على أكثر أعضاء اللجنة ميلاً للتيسير النقدي أن يجد في تقرير التوظيف ما يبرر إبقاء الفائدة دون تغيير.

 



 

في المقابل، رفض ترامب هذا التوجه جملة وتفصيلاً، إذ كتب عبر منصته على وسائل التواصل الاجتماعي أن قوة أي دولة تُقاس بانخفاض أسعار الفائدة فيها، مهدداً في الوقت نفسه بوقف التعامل التجاري مع دول تحقق فوائض تجارية مع واشنطن ما لم تخفّض هي الأخرى أسعار فائدتها.

ودعا ترامب مجلس الاحتياطي الفدرالي، بحسب ما نقلته "CNBC"، إلى أن يكون أكثر "وطنية" في قراراته، في تلميح مباشر إلى ضرورة الاستجابة لرغبته السياسية بدلاً من الاعتبارات الاقتصادية البحتة.

وارش بين الاستقلالية والضغوط 

ورغم أنه رُشّح على أساس مواقفه السابقة الداعية لخفض الفائدة، غيّر وارش لهجته بشكل لافت منذ توليه المنصب في مايو الماضي.

ففي تصريحات له خلال منتدى للبنوك المركزية في سينترا بالبرتغال، أكد، بحسب "بي بي إس نيوز"، أن البنك المركزي سيبقى مستقلاً وسيعمل على كبح التضخم، حتى لو جاء ذلك مخالفاً لرغبات ترامب في خفض الفائدة.

كما شدد في شهادته أمام الكونغرس في يوليو، على أن قرار المركزي بإبقاء الفائدة دون تغيير كان في حد ذاته دليلاً على استقلالية المؤسسة، وإن أقرّ في الوقت نفسه بحق الرئيس والسياسيين في التعليق على السياسة النقدية.

وزاد وارش من حدة موقفه خلال كلمته في ملتقى "جاكسون هول" السنوي للبنوك المركزية أواخر أغسطس، حيث لم يستبعد اللجوء إلى رفع الفائدة في مواجهة مخاوف تضخمية متصاعدة، في خطوة وصفتها مجلة "فورين بوليسي" بأنها رفعت من مستوى الرهانات قبل اجتماع سبتمبر الحاسم.

وترى كاثلين بروكس، مديرة الأبحاث في شركة XTB، أن هذه اللحظة تمثل اختباراً حقيقياً لوارش، إذ إن طريقة تعامله مع ضغوط ترامب المطالبة بخفض الفائدة ستحمل تداعيات كبيرة على مصداقية استقلالية الفدرالي وعلى أسواق السندات العالمية.

 



معركة قضائية

ولا يقتصر التوتر على الخلاف حول مستوى الفائدة، بل يمتد إلى معركة قانونية غير مسبوقة تخوضها الإدارة الأميركية لإحكام قبضتها على تركيبة مجلس محافظي الفدرالي.

فقد حاول ترامب في أغسطس من العام الماضي إقالة المحافظة ليزا كوك بدعوى ارتكابها مخالفات في مستندات قروض عقارية، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ تأسيس البنك المركزي قبل أكثر من 111 عاماً.

غير أن المحكمة العليا الأميركية قضت في يونيو 2026، بأغلبية 5 مقابل 4، بإبقاء كوك في منصبها لحين البت النهائي في القضية، مؤكدة أن قانون الاحتياطي الفدرالي لعام 1913 يمنح المحافظين حصانة نسبية لا يمكن للرئيس تجاوزها إلا "لسبب مشروع"، وأن على الإدارة منح كوك إشعاراً وفرصة للرد قبل أي إقالة.

 


 


ورغم هذا الحكم، تشير تقارير شبكة "إيه بي سي نيوز" إلى أن الإدارة الأميركية استأنفت لاحقاً إجراءات إقالة كوك بحجج جديدة، في مؤشر على أن المعركة القانونية حول استقلالية المؤسسة لم تُحسم بعد.

وتقول كوك نفسها، إن محاولة إقالتها لم تكن متعلقة بمستندات قديمة، بل برفضها الانصياع لضغوط سياسية طالبتها بتبني تخفيضات في الفائدة لم تكن مبرَّرة اقتصادياً في تقديرها، وفق CNBC.

وفي قراءة أوسع لهذا التطور، رأى معلّقون أن ترامب أراد من إقالة باول، ثم محاولة إبعاد كوك، ضمان تشكيلة أكثر مرونة مع رغباته داخل لجنة السوق المفتوحة الفدرالية، وهو ما يفسر أيضاً تعيينه مستشاره الاقتصادي ستيفن ميران عضواً في مجلس المحافظين.

لكن حتى مع هذه التعيينات، لا يزال وارش يواجه تحدياً مزدوجاً وهو إثبات استقلاليته أمام الأسواق من جهة، وتجنب استعداء الرئيس الذي اختاره بنفسه من جهة أخرى، في وقت باتت فيه هذه الازدواجية مصدر ارتباك يهدد وضوح رسائل البنك المركزي للأسواق، وفق تحليل، "فورين بوليسي".

أسواق السندات العالمية

ولم تقتصر تداعيات هذا الصراع على الداخل الأميركي، إذ انعكست حالة عدم اليقين حول مسار الفائدة وسلامة استقلالية المركزي الأميركي على أسواق السندات السيادية عالمياً.

فقد قفزت عوائد سندات الخزانة البريطانية لأجل عشر سنوات إلى مستويات قاربت 5.19%، بعد أن كانت قد لامست في وقت سابق من الأسبوع ذاته 5.29%، وهو أعلى مستوى لها منذ 18 عاماً، في إشارة إلى أن اضطراب الثقة بمؤسسة نقدية بحجم الاحتياطي الفدرالي يتردد صداه سريعاً في أسواق الدين بعيداً عن الحدود الأميركية.

 



 

اختبار مصيري في 16 سبتمبر

ومع اقتراب موعد اجتماع اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة في 16 سبتمبر، تتزايد الأنظار المراقبة لما إذا كان وارش سيصمد أمام الضغط السياسي غير المسبوق ويمضي في رفع الفائدة استجابة لمعطيات التضخم وسوق العمل، أم سيرضخ لرغبة الرئيس الذي عيّنه.

فالقرار، أياً كان اتجاهه، لن يكون مجرد خطوة نقدية تقنية، بل اختباراً حاسماً لمدى قدرة أعرق مؤسسة نقدية مستقلة في العالم على الصمود أمام ضغط سياسي مباشر ومعركة قضائية لا تزال فصولها مفتوحة، في لحظة يرى فيها كثير من الاقتصاديين أن استقلالية الفدرالي نفسها، لا فقط مستوى الفائدة، هي ما يوضع على المحك أمام الأسواق العالمية.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة