وارش يمضي قدماً في تغيير نهج الفدرالي الأميركي... لكنه يواجه مقاومة

نشر
آخر تحديث
رئيس الفدرالي الأميركي كيفن وارش / AFP

استمع للمقال
Play

 


  • رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي، كيفن وارش، أجرى تغييرات جذرية وسريعة في استراتيجية التواصل الخاصة بالبنك المركزي، وتخلى عن التوجيهات المستقبلية التقليدية
  • إطاره الجديد يركز بشكل أكبر على الأوضاع المالية العامة مقارنةً برؤساء الفدرالي الأميركي السابقين
  • لا تزال الأسواق تتوقع زيادات إضافية في أسعار الفائدة إذا استمر التضخم مرتفعاً
  • أما الإصلاحات المؤسسية الأوسع نطاقاً، بما في ذلك تقليص ميزانية الاحتياطي الفدرالي، فتسير بوتيرة أبطأ، في ظل سعي وارش إلى التوصل إلى توافق في الآراء

يفضل الرئيس كيفن وارش قياس فترة ولايته على رأس الاحتياطي الفدرالي بعدد الأيام، ومع مرور 127 يوماً على توليه المنصب، بدأت وعوده بإحداث تغيير جذري في النهج المتبع تتجسد على أرض الواقع.

فهو يتحرك بسرعة لمعالجة بعض المسائل البسيطة والبارزة التي تقع مباشرة تحت سيطرته، إلا أن قدرته على إجراء تغييرات أوسع نطاقاً تظل مقيدة بحالة الاقتصاد ومواقف زملائه في المجلس.

وضع وارش بصمته سريعاً على أسلوب التواصل الخاص بمجلس الفدرالي الأميركي. ورغم أن بعض التغييرات تبدو شكلية، مثل تقليص مدة المؤتمر الصحفي الذي يعقب اجتماعات اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة (المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة) وتعديل ترتيب جلوس الصحفيين ليكون أبجدياً حسب المؤسسات الإعلامية، إلا أن هذه التغييرات تخفي وراءها تحولاً أكثر عمقاً؛ إذ يمثل أسلوب وارش في التفكير وعرض آرائه حول السياسة النقدية قطيعة واضحة مع نهج أسلافه، وفق تقرير لشبكة CNBC.



ولم يتمكن وارش بعد من اتخاذ إجراءات بشأن إحدى أولوياته الرئيسية، وهي تقليص الميزانية العمومية للفدرالي الأميركي، ويعزى ذلك جزئياً إلى أن التضخم يمثل مصدر قلق أكثر إلحاحاً. كما أنه قيّد نفسه فيما يتعلق بأولويات أخرى من خلال تشكيل خمس فرق عمل لدراسة ممارسات الاحتياطي الفدرالي، ومن المقرر أن تقدم هذه الفرق تقاريرها في مطلع العام المقبل.

من المرجح أن تشكل خطوة رفع أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، التي أُقرت بالإجماع الأسبوع الماضي، وما قد يليها من زيادات، أبرز ملامح الفترة الأولى من ولاية وارش؛ وهي خطوة جاءت لترد على مخاوف منتقديه بشأن مدى استقلاليته عن الرئيس دونالد ترامب. 

واستناداً إلى شرحه لطريقة تفكيره بشأن الأسواق والاقتصاد، يبدو من المرجح أن يؤيد وارش زيادات إضافية في أسعار الفائدة إذا استمر التضخم في تشكيل مشكلة؛ علماً بأن الزيادة التي أُقرت الأسبوع الماضي كانت الأولى منذ عام 2023.

بالنسبة لرئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي الذي يفتخر باستقاء الإشارات من السوق، فإن وول ستريت ترسل إشارة قوية؛ إذ جرى تداول عائد سندات الخزانة لأجل عامين عند مستوى يفوق سعر الفائدة الفعلي على الأموال الفدرالية بنحو نقطة مئوية كاملة يوم الأربعاء، مما يشير إلى توقعات المتداولين بمزيد من الزيادات في أسعار الفائدة. 



ويُعد هذا أكبر فارق بين عائد السندات لأجل عامين وسعر الفائدة على الأموال الفدرالية منذ عام 2023. 

يذكر أن معدل التضخم بلغ 3.7%، وفقاً لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الذي يفضله الاحتياطي الفدرالي، في شهر يوليو (وهي أحدث قراءة متاحة)، وهو مستوى ظل يتجاوز المستهدف الذي حدده البنك المركزي عند 2% لأكثر من خمس سنوات ونصف.

لطالما وصف رؤساء الاحتياطي الفدرالي سعر الفائدة على الأموال الفدرالية بأنه إما "تيسيري" أو "محايد" أو "تقييدي". ولكن عندما سُئل وارش في مؤتمره الصحفي المنعقد في 16 سبتمبر عن موقف الاحتياطي الفدرالي مقارنة بالمستوى المحايد، استبعد الفكرة برمتها؛ إذ رد بأن هذا المفهوم "مفيد من الناحية الأكاديمية" لكنه لا يؤثر في قرار رفع الفائدة.

 

 

وقد أثارت هذه التصريحات استياءً في أوساط المصرفيين المركزيين الذين اعتادوا التفكير في سعر الفائدة على الأموال الفدرالية وفقاً لتلك المصطلحات.

وكتبت الخبيرة الاقتصادية كلوديا سام: "الأمر الغريب هو أن وارش صاغ القرار باعتباره إزالة لجرعة من التيسير النقدي، ثم نأى بنفسه عن المفهوم الذي يحدد ماهية التيسير ذاته. ولكن الآن بعد أن رفع الاحتياطي الفدرالي الفائدة، كيف سيحكم على ضرورة رفعها مجدداً، ومتى سيتوقف؟".

وكان منتقدو وارش قد جادلوا، عقب أدائه الغامض في يوليو، بأنه يفتقر إلى المصداقية لعدم طرحه نظرية متسقة حول كيفية تحديد أسعار الفائدة. ومع ذلك، فإن نظرة فاحصة على تصريحاته العلنية تشير إلى أن هناك نهجاً جديداً لتحديد السياسة النقدية يجري بلورته تدريجياً، وفق ما تنقل شبكة CNBC.

يشمل هذا الإطار مجموعة واسعة من المؤشرات المالية ومؤشرات السوق. فقد أكد وارش في ثلاث مناسبات خلال خطابه في جاكسون هول بولاية وايومنغ، وثلاث مرات أخرى في أحدث مؤتمر صحفي له، على أهمية "الظروف المالية" كعنصر جوهري في رؤيته؛ إذ أشار إلى أن تقييمه لظروف السوق يوضح أن هذه الظروف لا تتسم بالتقييد.

 

 

وفي جاكسون هول، لفت الانتباه إلى "مستوى أسعار الأصول والتغيرات التي تطرأ عليها عبر مختلف القطاعات... وأسعار سندات الخزانة وأحجام تداولها... وقيمة الدولار في أسواق الصرف الأجنبي... وتكلفة الائتمان ومدى توفره... وأسعار سلة واسعة من السلع". 

وتابع وارش قائلاً: "ينبغي لهذه المؤشرات وغيرها، أن توجه رؤية الاحتياطي الفدرالي قصيرة الأجل بشأن النشاط الاقتصادي والتضخم على امتداد الدورة الاقتصادية. كما ينبغي لها أن تكشف عن حالة الظروف المالية الأوسع نطاقاً... وعن المخاطر وحالات عدم اليقين المرتبطة بالدورة المالية".

قد يبدو هذا المنطق دائرياً للبعض، نظراً لأن التوقعات المتعلقة بقرارات الاحتياطي الفدرالي تشكل جزءاً كبيراً من الظروف المالية؛ وبالتالي، يمكن أن تؤول هذه العملية إلى قيام السوق بإخبار البنك المركزي بما يتوقع منه أن يفعله.

ومع ذلك، وبالنظر إلى هذه التعليقات بظاهرها، نجد أنها تشير إلى احتمالية إجراء المزيد من الزيادات في أسعار الفائدة. فسوق الأسهم لا تزال تشهد حالة من الانتعاش، وسوق العمل قوية، كما تواصل معظم مؤشرات الظروف المالية إظهار غياب القيود المشددة، سواء في عمليات الإقراض أو الاقتراض، ويبدو أن النمو الاقتصادي قوي.



وتعكس السوق الرسالة ذاتها، حيث تبلغ احتمالية إقرار زيادة تالية في أسعار الفائدة خلال شهر أكتوبر 70%، مع تسعير السوق لاحتمالية زيادتين إضافيتين في الفترة الممتدة من الآن وحتى شهر مارس.

يركز وارش، الرئيس الحالي لمجلس الفدرالي الأميركي، بشكل مكثف على مؤشرات السوق التي قد تبدو غامضة أحياناً، أكثر من رؤساء المجالس السابقين، وهو ما يُذكّر إلى حد ما برئيس الاحتياطي الفدرالي السابق آلان غرينسبان، الذي اشتهر بتعمقه في دراسة كل شيء، بدءاً من خطط الإنفاق الرأسمالي للشركات وصولًا إلى أسعار الخردة المعدنية.

وفي خطابه في جاكسون هول، قال وارش إنه يراقب مجموعة من المؤشرات للتوسع النقدي، بما في ذلك فروق أسعار الفائدة، واستطلاع رأي كبار مسؤولي الإقراض الذي يُجريه الاحتياطي الفدرالي، والذي يقيس مدى استعداد البنوك للإقراض، بالإضافة إلى توافر الائتمان والطلب عليه. ما هي خلاصة رأيه؟ السيولة متوفرة بكثرة.

وأضاف: "هذا يُفسر النمو الذي شهدناه هذا العام في هذه القروض. أسواق الائتمان والقروض لا تُظهر سوى القليل من مؤشرات ضبط السياسة النقدية". ولا تستلزم ظروف الائتمان الميسرة بالضرورة رفع أسعار الفائدة. ففي رأي وارش، قد يحتاج البنك المركزي إلى كبح جماح نظام الائتمان الخاص الذي يُسهّل الحصول على الائتمان بشكل مفرط عندما يتجاوز التضخم الهدف المحدد.

 

وختم وارش حديثه في جاكسون هول قائلًا: "ينبغي علينا الانتباه إلى الأموال التي يُصدرها البنك المركزي والأموال التي تأتي من الأنظمة المصرفية والمالية". يُمهد استمرار ظروف الائتمان المتساهلة الطريق لمزيد من رفع أسعار الفائدة في إطار عمل وارش. لكن من المرجح أن تُرفع أسعار الفائدة فقط إذا استمر التضخم مرتفعاً بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط والديزل.

وفي جاكسون هول، قال وارش أيضاً: "يستحق الارتفاع الأخير في أسعار السلع الأساسية عموماً المراقبة أيضاً".

وتيرة أبطأ لدى مسؤولي الاحتياطي الفدرالي الآخرين

ليس من الواضح ما إذا كان أعضاء آخرون في اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة FOMC قد تخلوا عن الإطار "المحايد" وتبنوا نهجاً يتماشى بشكل أكبر مع مفهوم وارش الواسع للأوضاع المالية. 

ورغم أن هذه الأوضاع كانت دائماً جزءاً من كيفية تقييم مسؤولي الاحتياطي الفدرالي للسياسة النقدية، إلا أن قلة منهم يتحدثون عنها الآن باعتبارها أكثر من مجرد عنصر واحد ضمن عملية اتخاذ القرار. وكثيراً ما أشار جيروم باول، الرئيس السابق للفدرالي الأميركي، إلى صعوبة تحديد "السعر المحايد"، لكنه ظل يصف أسعار الفائدة بأنها "تقييدية بشكل معتدل".

وحتى الآن، يُعد وارش الوحيد تقريباً الذي يرفض تقديم توقعات لمسار سعر الفائدة على الأموال الفدرالية ضمن "ملخص التوقعات الاقتصادية"، المعروف باسم مخطط النقاط أو dot plot. كما يواصل العديد من أعضاء المجلس طرح توقعاتهم للاقتصاد وأسعار الفائدة في الخطابات والمقابلات، وهو ممارسة عملية يرفضها وارش.



وتسلط حالة التردد هذه الضوء على الجوانب التي تتسم بالبطء في عملية التحول هذه حتى الآن؛ فقد ورث وارش اللجنة والاقتصاد اللذين يتعين عليه إدارتهما، وكلاهما يعملان معاً على إبطاء الإصلاحات التي يسعى رئيس الفدرالي لتطبيقها.

الإصلاح لاحقاً

ولعل الإصلاح كان الأبطأ فيما قد يُعتبر أقدم أولويات وارش في مجال السياسات. فمنذ عام 2011 على الأقل، صرح وارش بأن على الاحتياطي الفدرالي عكس مسار نمو ميزانيته العمومية، التي تبلغ حالياً 6.7 تريليون دولار. 

ومع ذلك، لم يلتزم بخطة محددة لتحقيق ذلك، سواء عبر بيع الأوراق المالية التي يمتلكها البنك بالفعل أو السماح للسندات ببلوغ تاريخ استحقاقها دون استبدالها. 

والجدير بالذكر أنه غادر فترته الأولى في مجلس الاحتياطي الفدرالي في ذلك العام بسبب عدم ارتياحه لتضخم الميزانية العمومية، رغم أنه صرح بأنه صوّت لصالح توسيعها بدافع الولاء للمؤسسة.

والآن، وبعد عودته وتوليه زمام الأمور فيما يخص أجندة الفدرالي الأميركي، يجد وارش نفسه عاجزاً عن المضي قدماً وبسرعة في خططه الرامية لتقليص الميزانية العمومية، رغم أن ذلك كان من شأنه، نظرياً، سحب المزيد من تدابير التحفيز من الاقتصاد. وتُظهر محاضر اجتماع اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة لشهر يوليو أن أعضاءً آخرين ممن لهم حق التصويت كانوا مترددين في اتخاذ خطوات سريعة نحو تقليص الميزانية، مفضلين الانتظار لحين تقديم فرق العمل التي شكلها وارش لنتائجها وتقاريرها.

كما أن حالة الاقتصاد والأسواق ربما تكون قد زادت من تعقيد خطط وارش، ففي ظل تجاوز معدلات التضخم للمستهدف الذي حدده الاحتياطي الفدرالي والارتفاع الحاد في أسعار النفط، برزت لدى اللجنة حاجة ملحة لمعالجة قضية الأسعار، مما جعل التوقيت غير مناسب لإجراء تجارب للتحقق من صحة وجهة نظر وارش القائلة بأن تقليص الميزانية العمومية من شأنه أن يكبح جماح الاقتصاد بشكل ملموس.

وفي غضون ذلك، ارتفع العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات ليتجاوز حاجز 5%، دافعاً معه أسعار الفائدة على القروض العقارية وغيرها من ديون المستهلكين نحو الارتفاع. وهذا ما يجعل التوقيت غير ملائم على الإطلاق ليبدأ الاحتياطي الفدرالي في مطالبة السوق باستيعاب كميات إضافية من القروض العقارية وسندات الخزانة، وهو ما كان سيحدث حتماً لو أقدم البنك المركزي على تقليص ميزانيته العمومية.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة