لم تعد أزمة مضيق هرمز شأناً يتعلق بالناقلات وبراميل النفط، والغاز، وأسعار الشحن، والتأمين. فقد خرجت الأزمة من البحر إلى البر، وتسربت تداعياتها إلى سوق العمل والتوظيف والأجور والإنتاجية، وطالت حياة ملايين المقيمين في دول الخليج الذين يقوم عليهم الجزء الأساسي من الدورة الاقتصادية في تلك المنطقة من العالم.
اعتمدت دول الخليج تاريخياً على العمالة الخارجية لتلبية احتياجات سوق العمل، وأسهمت تلك العمالة في تنفيذ المشاريع الكبرى وتوفير الخبرات وتسريع النمو الاقتصادي. لكنها بقيت الحلقة الأضعف عند أي اهتزاز في سوق النفط، فتدفع ثمن التقشف والإصلاحات الاقتصادية، سواء عبر الاستغناء عن جزء منها أو خفض أجورها. ولم تكن أزمة «مضيق هرمز» الأخيرة استثناءً، إذ أثار تباطؤ النمو وتصاعد مخاطر الأعمال مخاوف العمالة الوافدة بشأن استقرار الوظائف والأجور، وذلك مع ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتضرر سلاسل الإمداد، وتراجع حركة التجارة والاستثمار، وتضييق هوامش الشركات، وتنامي الآثار التضخمية.
شركات ومؤسسات حكومية وخاصة لجأت بعد أشهر من الأزمة إلى تجميد التوظيف للعمالة الوافدة، وتقليص المزايا والحوافز، وتأجيل الزيادات، بل وخفض الأجور. وفي بعض الحالات، تم إنهاء التعاقدات أو استُبدلت بعقود مؤقتة، بمزايا أقل واستقرار وظيفي أضعف تحت عناوين " رفع كفاءة التشغيل ".
الوافد، بحكم طبيعة وضعه القانوني والاقتصادي، يبقى الحلقة الأضعف في معادلة خفض التكاليف ، فهو يعمل وفق عقد يرتبط في كثير من الحالات بالوظيفة، وإقامته مرتبطة باستمراره في العمل. لذلك، فإن قرار التسريح لا يعني بالنسبة إليه فقدان مصدر الدخل فقط، بل قد يعني أيضاً فقدان حقه في الإقامة.
فالعامل الذي ساهم في بناء الشركة، وتشغيل الفندق والمستشفى والمصنع والمطعم ومشاريع البنية التحتية، قد يتحول عند أول ضغوط مالية إلى بند قابل للحذف من قائمة المصروفات.
في سنوات الرواج، يُنظر إلى الوافد باعتباره قوة عمل. وفي سنوات الضغط، يتحول بسهولة إلى كلفة يجب التخلص منها.
ومن حالفه الحظ واحتفظ بوظيفته، فإنه يدخل معركة أخرى في مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار. يكفي أن ترتفع كلفة النقل والطاقة والغذاء والسكن، بينما يبقى الراتب ثابتاً، حتى يتراجع الأجر الحقيقي، ويجد العامل نفسه يعمل الساعات نفسها، لكنه يشتري أقل، ويدفع أكثر، ويقتطع من مستوى معيشته.
خلف كل وافد، هناك جسر مالي يصل اقتصادات الخليج بملايين الأسر في آسيا وإفريقيا والمنطقة العربية. وقد قُدرت تحويلات العاملين الأجانب من دول مجلس التعاون بنحو 124 مليار دولار في عام 2024، لتشكل مصدراً مهماً لدخل الأسر في بلدانهم؛ فهي إيجار منزل، وقسط مدرسة، وفاتورة علاج، وطعام أسرة كاملة.
لذلك، عندما يفقد العامل وظيفته أو ينخفض راتبه، لا تتأثر قدرته على الإنفاق وحده، بل تتقلص قدرة أسرة بأكملها على الاستهلاك والتعليم والعلاج، لتنتقل آثار الأزمة من سوق العمل الخليجي إلى اقتصادات بلدان المصدر.
المفارقة الأكبر أن الخليج قد يدفع ثمن تآكل القوة الشرائية للوافدين داخل اقتصاده نفسه. فاقتصادات الخليج التي تتحدث منذ سنوات عن التنويع الاقتصادي، وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية وتعميق الاقتصاد المحلي، تعتمد في جزء مهم من نشاطها على قاعدة استهلاكية واسعة يصنعها المقيمون، الذين يشكلون الغالبية السكانية في عدد من دول مجلس التعاون.
فالوافد هو المستأجر في العقار، والزبون في التجزئة، والراكب في النقل، والعميل في المصرف، والمستهلك في المطاعم، وأبناؤه طلاب في المدارس والجامعات. وبالتالي، فإن خفض وظيفته أو أجره لا يضغط على العمالة الوافدة وحدها، بل يمتد أثره إلى الاستهلاك والطلب والنشاط الاقتصادي غير النفطي.
وحين يُسرّح العامل، أو يُخفض راتبه، أو يغادر، لا تختفي كلفته من الاقتصاد فحسب، بل تختفي معه شريحة من الطلب.
ليس هناك من أرقام وبيانات رسمية تشير بشكل دقيق إلى أعداد الوافدين الذين فقدوا وظائفهم، أو من طالتهم سياسات التقشف وخفض الأجور بتأثير من تداعيات النزاع الإقليمي واضطرابات حركة الملاحة. لكن الأكيد أن الاقتصاد الخليجي سيدفع ثمن سياسات تحميل العامل الجزء الأكبر من فاتورة الحرب، وقد يجد نفسه يوسع الصدمة بدلاً من احتوائها، صحيح أن الشركة قد تخفض كلفة الأجور، لكن المطاعم تخسر زبوناً، والعقار يخسر مستأجراً، والنقل يخسر راكباً، والتجزئة تخسر مستهلكاً.
الخليج.. بين نعمة الجيولوجيا و لعنة الجغرافيا
السعودية والإمارات.. من التحالف إلى المنافسة
إن حماية الأجور وضمان صرف المستحقات ليستا مجرد إجراءات اجتماعية، بل أدوات اقتصادية تساعد على الحفاظ على الاستهلاك والإنتاجية واستقرار سوق العمل. كما أن منح المسرّحين مهلة كافية للبحث عن عمل، وحماية مكافآت نهاية الخدمة، وتخفيف الرسوم والالتزامات خلال الأزمات، ومنع تحميل العامل وحده كلفة الصدمة، كلها إجراءات تحد من انتقال الأزمة من الشركات إلى سوق العمل ثم إلى الاقتصاد ككل.
لكن التحدي يبقى في أن السياسات التشغيلية في دول الخليج لا تزال، في جوانب منها، تنظر إلى المقيم باعتباره قوة عمل أكثر من كونه شريكاً في الدورة الاقتصادية، رغم الخبرات التي راكمتها هذه الاقتصادات على مدى عقود.
قصارى القول: إن أزمة هرمز تكشف شيئاً أكبر من أزمة في الملاحة والطاقة ، إنها تكشف كيفية توزيع كلفة الصدمات داخل الاقتصاد الخليجي. فإذا كانت العمالة الوافدة شريكاً في صناعة النمو، فلا يمكن أن تكون جزءاً من معادلة الرواج، ثم تتحول إلى أول من يدفع ثمن الانكماش.
فالخسارة لا تُقاس فقط ببرميل لم يُصدّر، أو ناقلة تأخرت، أو تكلفة شحن ارتفعت؛ الخسارة أيضاً وظيفة فُقدت، وراتب خُفض، وتحويل انقطع، وشقة أُغلقت، ومتجر خسر زبونه، وأسرة في بلد بعيد اضطرت إلى إعادة حساب حياتها.
مقالات أخرى للكاتب:
مقال رأي | العمومية الافتراضية.. راحة لمجلس الإدارة أم حق ضائع للمساهم؟
مقال رأي | هرمز النووي.. حين هز المضيق اقتصاد العالم
مقال رأي | هل طوّعت قطر النفوذ بالاستثمار... أم بنت الاستثمار بالنفوذ؟
مقال رأي | "السيادي السوري"... غموض طاغِ و شفافية غائبة
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي