لم تعد التحالفات العسكرية في عالم اليوم ضمانةً مطلقة لأمن الدول، بقدر ما أصبحت اختباراً لقدرتها على قراءة التحولات الدولية، والتمييز بين الالتزامات المكتوبة والاستعداد الفعلي لتحمل كلفة الالتزام بها. ففي عالم يتباطأ فيه النمو الاقتصادي، وتتفاقم الضغوط التضخمية، وتتسع فيه مخاطر الفقر والبطالة، وتتزايد الضغوط على الإنفاق العام والخدمات الأساسية، وتتراجع فيه الاعتبارات المرتبطة بالتعاون الدولي ، تتقدم المصالح الاقتصادية والأولويات الوطنية على اعتبارات التضامن السياسي، وتصبح كلفة التدخل العسكري عاملاً حاسماً في تحديد مواقف الدول، حتى تجاه حلفائها.
ولعل المفارقة الأبرز أن العالم ينفق على التسلح أكثر من أي وقت مضى، لكنه لا يبدو بالضرورة أكثر أمناً. فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.89 تريليون دولار في عام 2025، بزيادة 2.9%، وفق معهد «سيبري». عربياً، تصدرت السعودية الإنفاق العسكري بنحو 83.2 مليار دولار، فيما بلغ الإنفاق العسكري الكويتي أكثر من 8.1 مليارات دولار، ما يعادل 4.7% من ناتجها المحلي الإجمالي، مقابل 6.5% في قطر، وفق تقديرات«سيبري» . وتطرح تلك الأرقام تساؤلات حول قدرة الإنفاق العسكري المتزايد على توفير الأمن، في منطقة تتصاعد فيها المخاطر، وتظل فيها الضمانات الأمنية رهناً بحسابات المصالح وكلفة المواجهة، لا بمجرد الالتزامات المكتوبة.
هذه الأرقام لا تعكس فقط تصاعد التوترات الجيوسياسية، بل تكشف أيضاً عن تحول اقتصادي واسع، تتزايد فيه الموارد المخصصة للدفاع على حساب أولويات أخرى، فيما تعيد الدول تقييم التزاماتها الخارجية وحدود قدرتها على تحمل أعباء الصراعات. فالتسلح يتوسع، والتحالفات تتعزز ظاهرياً، لكن الاستعداد لدفع فاتورة الحرب يظل خاضعاً لحسابات كل دولة ومصالحها الوطنية .
لم يعد ممكناً التعامل مع التحالفات العسكرية بعقلية المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حين بدت الاصطفافات الدولية أكثر استقراراً، واستندت منظومات الردع إلى افتراضات أوضح بشأن طبيعة التهديدات وحدود الالتزام. فحتى التحالفات الراسخة، وفي مقدمتها حلف شمال الأطلسي، تظل محكومة بتوازنات سياسية وحسابات وطنية، ولا تعني العضوية فيها أن كل أزمة ستفضي تلقائياً إلى تدخل عسكري موحد. كما أن معاهدة الدفاع العربي المشترك الموقعة عام 1950 التي بقيت حبراً على ورق ، تكشف عن حجم الفجوة بين الالتزامات المعلنة والاستعداد الفعلي لتحمل كلفة تنفيذها.
لقد دفعت الشكوك بشأن استمرارية الضمانات الأمنية الأميركية الدول الأوروبية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وتقليص اعتمادها على واشنطن. وفي عام 2025، ارتفع الإنفاق العسكري في أوروبا إلى 864 مليار دولار، بزيادة 14%، فيما بلغ إنفاق الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو 559 مليار دولار، وفق بيانات «سيبري».
هذه التحولات لا تعني انهيار التحالفات، لكنها تشير إلى تراجع التسليم بأن الحماية الخارجية التزام غير مشروط، وإلى إدراك متزايد بأن الدولة التي تريد ضمان أمنها لا تستطيع تفويض مسؤوليتها كاملة إلى الآخرين.
اقرأ أيضاً:
مقال رأي | العمومية الافتراضية.. راحة لمجلس الإدارة أم حق ضائع للمساهم؟
الوافد.. شريك النمو وضحية الانكماش
مقال رأي | هرمز النووي.. حين هز المضيق اقتصاد العالم
مقال رأي | هل طوّعت قطر النفوذ بالاستثمار... أم بنت الاستثمار بالنفوذ؟
مقال رأي | "السيادي السوري"... غموض طاغِ و شفافية غائبة
بعض الحكومات ما تزال تتعامل مع الاتفاقيات الدفاعية وصفقات السلاح واستضافة القواعد العسكرية، وكأنها بوليصة تأمين شاملة ضد المخاطر. تنفق موارد ضخمة لتعزيز ارتباطها بالقوى الكبرى، وتراهن على تشابك المصالح الاقتصادية، قبل أن تكتشف عند اندلاع المواجهات أن لكل حليف حساباته وأولوياته، وأن ما تعتبره تهديداً وجودياً قد لا يستدعي، في نظره، أكثر من دعوة إلى ضبط النفس أو تحرك دبلوماسي محدود.
لقد كشفت أزمة مضيق هرمز عن الفجوة بين الالتزامات الدفاعية المعلنة ومفاعيلها على الأرض، مع تعرض مرافق حيوية في دول المنطقة لهجمات إيرانية، وسط استجابة عسكرية أميركية بدت خجولة قياساً إلى حجم المخاطر. وفي ظل هذه التطورات، اتجهت بعض الحكومات الخليجية إلى تعزيز تحالفاتها وترتيباتها الدفاعية، غير أن تجارب سابقة تثير تساؤلات بشأن فاعلية هذه الترتيبات وقدرتها على توفير الحماية المأمولة. فتعرض منشآت حيوية سعودية لهجمات صاروخية من الحوثيين في اليمن، رغم شبكة التحالفات والتفاهمات الإقليمية، يعيد طرح أسئلة جوهرية حول قدرة هذه الاتفاقيات على تحقيق الردع، ووضوح التزامات أطرافها، ومدى استعدادهم لتحمل كلفة تفعيلها عند الضرورة، وهي أسئلة تكتسب أهمية إضافية بعد توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا.
في الواقعية السياسية ، ليس هناك ما يستدعي الاستغراب من منظور المصالح الدولية ، فالدول الكبرى لا تدخل الحروب بدافع الامتنان، ولا تخوض المواجهات مكافأة لحلفائها على مشتريات السلاح أو الاستثمارات أو التسهيلات السياسية. إنها تتحرك عندما ترى أن مصالحها الحيوية تقتضي ذلك، وتعيد حساباتها عندما ترتفع كلفة المواجهة أو تتعارض مع أولوياتها الداخلية.
لكن موضع النقد هو أن بعض الدول تتصرف كما لو أن هذه القاعدة لا تنطبق على علاقاتها بحلفائها، فتخلط بين الشراكة الاستراتيجية والتبعية الأمنية، وبين المصالح المشتركة والتطابق الكامل في المواقف. وعندما تتعرض للتهديد، تكتشف أن الاتفاقية التي منحتها شعوراً بالاطمئنان لا تقدم بالضرورة الإجابة التي تحتاج إليها في اللحظة الحرجة.
وتتجاوز كلفة هذا الخلل الحسابات العسكرية إلى الاقتصاد. فالدولة التي تتعرض منشآتها الحيوية أو ممراتها البحرية للتهديد لا تواجه خطراً أمنياً فحسب، بل تواجه احتمالات ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، واضطراب سلاسل الإمداد، وتأجيل الاستثمارات، وتراجع النشاط الاقتصادي، فضلاً عن الضغوط على الموازنات العامة إذا اضطرت إلى زيادة الإنفاق الدفاعي أو دعم القطاعات المتضررة.
وتكشف تجربة الحرب الروسية على أوكرانيا، والحروب الإسرائيلية في المنطقة، والتهديدات التي تواجه أمن الخليج، عن حقيقة باتت أكثر وضوحاً ، و هي أن الجغرافيا الاقتصادية منفصلة عن الجغرافيا العسكرية. فالموانئ والطاقة والممرات البحرية وسلاسل التوريد أصبحت جزءاً من معادلة الأمن الوطني، وأي اضطراب فيها يمكن أن يتحول سريعاً إلى فاتورة مالية تتحملها الشركات والحكومات والمستهلكون.
وبالنسبة إلى دول الخليج، تتضاعف أهمية هذه المعادلة بسبب مركزية الطاقة والملاحة في اقتصاداتها، وارتباط استقرارها المالي والتجاري بقدرتها على الوصول إلى الأسواق العالمية. فالتهديد الذي يطال منشأة للطاقة أو حركة الملاحة في مضيق هرمز لا يقف عند حدود الخسائر المباشرة، بل يمتد إلى الإيرادات والصادرات والاستثمار وثقة الأسواق. وفي هذه الحالة، لا تكفي البيانات السياسية، مهما كانت لغتها حازمة، لتعويض الخسائر الاقتصادية أو استعادة الثقة.
ولا يعني ذلك أن الوجود العسكري الأجنبي أو الشراكات الدفاعية بلا قيمة ، بل هي تعزز الردع، وتوفر قدرات تقنية واستخباراتية مهمة، وترفع كلفة الاعتداء. لكن الخطأ يكمن في اعتبارها بديلاً من بناء القدرات الوطنية، أو افتراض أن مصالح الدولة المضيفة تتطابق دائماً مع حسابات الدولة التي توفر الحماية.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة فلسفة الأمن لدى الدول التي تستجدي الحماية، أو تبالغ في التعويل على تعهدات الحلفاء. المطلوب ليس الانكفاء أو الاستغناء عن الشراكات الدولية، بل بناء علاقة أكثر توازناً معها، تقوم على المصالح المتبادلة والالتزامات الواضحة، بالتوازي مع تطوير القدرات الذاتية، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتنويع مصادر التكنولوجيا والإمدادات الدفاعية.
لقد أصبح العالم أكثر ميلاً إلى الحمائية والانكفاء نحو الأولويات الوطنية، تحت ضغط التحديات الاقتصادية والاجتماعية وتزايد كلفة الصراعات. وفي مثل هذه البيئة، لا يمكن للدول أن تبني أمنها على افتراض التضامن التلقائي، أو أن تعتبر الاتفاقيات العسكرية تعهداً مفتوحاً بالتدخل مهما اختلفت الظروف.
في السياسة الدولية، لا يكفي أن تجد من يوقّع معك اتفاقية دفاع مشترك ، الأهم أن تعرف ما الذي سيدفعه إلى تنفيذها عندما تصبح كلفة الالتزام أعلى من كلفة التراجع.
فالدولة التي تنفق كثيراً على شراء الاطمئنان، من دون بناء القدرة على حماية مصالحها وامتصاص الصدمات، قد تكتشف أن لديها شبكة واسعة من العلاقات والاتفاقيات، لكنها لا تملك بالضرورة ما يكفي من الخيارات عندما تصبح المواجهة غير محسومة.
والحماية، في نهاية المطاف، ليست سلعة يمكن شراؤها بعقد عسكري، ولا امتيازاً تمنحه العلاقات السياسية إلى أجل غير مسمى. إنها معادلة تجمع بين قوة الدولة، ومتانة اقتصادها، وكفاءة مؤسساتها، وقدرتها على بناء تحالفات متوازنة، من دون أن تجعل أمنها رهينة لقرار يتخذه الآخرون وفقاً لمصالحهم الخاصة.
الخليج.. بين نعمة الجيولوجيا و لعنة الجغرافيا
السعودية والإمارات.. من التحالف إلى المنافسة
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي