رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets
⭢ المقال السابق (ضمن ملف الذكاء الاصطناعي وصناعة الدفاع)
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية تسعى الشركات إلى تطويرها لتعزيز الإنتاجية وخفض التكاليف، بل أصبح أحد العوامل التي تعيد رسم مستقبل الصناعات العسكرية، من الطائرات المسيّرة والأنظمة ذاتية التشغيل، إلى الحرب الإلكترونية وتحليل البيانات في الزمن الحقيقي. هذا التحول لا يغيّر فقط طريقة إدارة المعارك واتخاذ القرارات العسكرية، بل يفتح أيضًا بابًا جديدًا أمام شركات الدفاع للاستفادة من موجة استثمارية قد تمتد لسنوات، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية واتجاه دول عديدة إلى تعزيز قدراتها العسكرية.
ما نشهده اليوم يتجاوز مجرد ارتفاع الطلب على الأسلحة التقليدية؛ فنحن أمام تحول في طبيعة الإنفاق العسكري نفسه. لم تعد القوة العسكرية تُقاس فقط بحجم المعدات والصواريخ والطائرات التي تمتلكها الدول، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بقدرتها على توظيف التكنولوجيا والبيانات والأنظمة الذكية لتحقيق التفوق الميداني. وهذا التحول يضع شركات الدفاع أمام فرص نمو جديدة، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع أسهم القطاع ستواصل الارتفاع بالوتيرة نفسها.
خلال عامي 2025 و2026، استفادت أسهم شركات الدفاع من زيادة الإنفاق العسكري والاهتمام المتنامي بالتقنيات المتقدمة. وتشير الأرقام إلى أن متوسط أداء أسهم شركات دفاع كبرى، تشمل Lockheed Martin وNorthrop Grumman وRTX وBAE Systems، بلغ نحو 28% خلال عام 2025، مقابل 12% لمؤشر S&P 500. وخلال النصف الأول من عام 2026، ارتفع متوسط أسهم هذه الشركات بنحو 19%، مقارنة بزيادة تقارب 6% للمؤشر الأميركي العام.
وبذلك، بلغ الأداء التراكمي نحو 47% لأسهم الدفاع، مقابل 18% لمؤشر S&P 500، منذ بداية عام 2025 وحتى منتصف عام 2026. وتعكس هذه الأرقام تفوقًا ملحوظًا للقطاع خلال الفترة المذكورة، وإن كانت لا تعني أن جميع الشركات حققت العوائد نفسها أو أن الذكاء الاصطناعي وحده كان وراء هذا الأداء.
لكن السؤال الأهم هو: إلى أي مدى يعود هذا الأداء إلى الذكاء الاصطناعي تحديدًا، وإلى أي مدى يرتبط بزيادة الإنفاق العسكري والتوترات الجيوسياسية؟ في الواقع، يصعب فصل هذه العوامل بعضها عن بعض. فالطلب على أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والطائرات المسيّرة لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، بل أيضًا بالحاجة إلى تعزيز القدرات العسكرية والاستجابة للمخاطر الأمنية. وفي المقابل، أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا في تطوير هذه الأنظمة، ما يمنح الشركات التي تمتلك الخبرة التقنية والقدرة الإنتاجية فرصة للاستفادة من دورة تسليح وتحديث أوسع.
وهنا لا بد من التمييز بين نوعين من الشركات. الأول يضم الشركات الصناعية الكبرى التي تطوّر الطائرات والصواريخ وأنظمة الدفاع، والتي يمكن أن تستفيد من زيادة الطلبيات وتحديث المعدات العسكرية وإدماج التقنيات الذكية في منتجاتها. أما النوع الثاني، فيشمل الشركات التي توفر البرمجيات وتحليل البيانات والبنية التقنية اللازمة لتشغيل هذه المنظومات واتخاذ القرارات العسكرية. وقد تكون استفادة هذه الشركات مختلفة، لأن نمو استخدام الذكاء الاصطناعي قد يفتح أمامها فرصًا لتحقيق إيرادات متكررة من البرمجيات والتحديثات والصيانة والتدريب، بدلًا من الاعتماد فقط على بيع المعدات والعقود طويلة الأجل.
ومن الأمثلة على ذلك شركة Palantir، التي تمثل رهانًا أكثر مباشرة على البرمجيات والبيانات، في حين تمثل شركات مثل Lockheed Martin وNorthrop Grumman وRTX مزيجًا من الطلب الدفاعي طويل الأجل وتحديث الأنظمة وزيادة الإنتاج العسكري. لذلك، فإن جمع جميع هذه الشركات ضمن فئة واحدة، والتعامل مع أسهمها باعتبارها فرصًا متشابهة لمجرد ارتباطها بالذكاء الاصطناعي، قد يؤدي إلى تقييم غير دقيق لمخاطرها وإمكاناتها المستقبلية.
أما بالنسبة إلى المرحلة المقبلة، لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر قطاع الدفاع، لأن هذا التحول بدأ بالفعل، بل ما إذا كانت الشركات ستتمكن من تحويل هذه الفرص إلى أرباح فعلية تفوق توقعات الأسواق الحالية.
هناك عوامل قد تدعم استمرار النمو، أبرزها انتقال التطبيقات العسكرية من مرحلة التجارب إلى الاستخدام التشغيلي، وارتفاع الحاجة إلى إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ وأنظمة الاعتراض بكميات أكبر. كذلك، فإن الاستثمارات في الأنظمة الذاتية والذكاء الاصطناعي قد تدفع الحكومات إلى تخصيص موارد إضافية لتطوير قدراتها العسكرية. أن مقترحات موازنة وزارة الدفاع الأميركية للسنة المالية 2027 تضمنت طلب تمويل كبير لهذه المجالات، مع ضرورة التمييز بين التمويل المقترح والاعتمادات التي تُقر نهائيًا، وبين الإعلان عن العقود وتحولها إلى إيرادات فعلية للشركات.
هذه النقطة أساسية عند تقييم أسهم الدفاع؛ فالعقود الضخمة لا تعني بالضرورة تحقيق الأرباح فورًا. قد تستغرق المشتريات العسكرية سنوات قبل أن تتحول إلى إيرادات، كما أن ارتفاع تكاليف التطوير والإنتاج يمكن أن يضغط على هوامش الربح. وقد تواجه الشركات أيضًا تأخيرات في التمويل أو تغييرات في الأولويات السياسية، فضلًا عن المنافسة من شركات تكنولوجية جديدة تقدم حلولًا أقل تكلفة وأكثر مرونة. وإلى جانب ذلك، فإن الاستخدام العسكري للأسلحة ذاتية التشغيل يثير أسئلة تنظيمية وأخلاقية تتعلق بالسلامة والمساءلة، وهو ما قد يؤثر في سرعة انتشار بعض التطبيقات.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن جزءًا مهمًا من التفاؤل بشأن هذا القطاع انعكس بالفعل على أسعار الأسهم. فبعد المكاسب التي حققتها شركات الدفاع خلال الفترة الماضية، لم تعد جميع التقييمات بالضرورة جذابة كما كانت في بداية موجة الصعود. أن مضاعفات الربحية لبعض شركات القطاع تقع ضمن نطاق يتراوح بين 15 و20 مرة، وهي مستويات تستدعي مقارنة دقيقة مع معدلات النمو المتوقعة والأرباح المستقبلية. لكن هذا النطاق لا ينطبق بالضرورة على كل شركة، ولا يكفي وحده للحكم على جاذبية أي سهم، خصوصًا أن الشركات التي تعتمد بصورة أكبر على البرمجيات قد تختلف تقييماتها عن الشركات الصناعية التقليدية.
من هنا، قد تكون المرحلة المقبلة أكثر انتقائية من المرحلة السابقة. فخلال موجة الصعود الأولى، استفاد القطاع من توقعات زيادة الإنفاق العسكري والتحول التكنولوجي، لكن استمرار ارتفاع الأسهم يحتاج إلى ما هو أكثر من هذه التوقعات. يحتاج المستثمرون إلى رؤية نمو فعلي في الإيرادات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وقدرة على تحويل العقود والطلبات المتراكمة إلى مبيعات وأرباح وتدفقات نقدية حرة. كما يصبح من الضروري النظر إلى السعر الذي يدفعه المستثمر مقابل هذه الأرباح، لا الاكتفاء بارتفاع السهم أو بانتشار الأخبار الإيجابية حول الشركة.
الذكاء الاصطناعي العسكري يمثل فرصة نمو هيكلية طويلة الأجل لشركات الدفاع، لكنه ليس ضمانة لتحقيق طفرة مستمرة في أسعار أسهمها. فالنجاح التكنولوجي لا يتحول تلقائيًا إلى نجاح استثماري، والشركة التي تمتلك أفضل التقنيات ليست بالضرورة الشركة التي تحقق أفضل عائد للمساهمين إذا كان سعر سهمها يعكس بالفعل توقعات مرتفعة جدًا.
إن الرهان الحقيقي في السنوات المقبلة سيكون على الشركات القادرة على الجمع بين الابتكار التكنولوجي، وتنفيذ العقود بكفاءة، والحفاظ على هوامش ربح قوية، وتحقيق تدفقات نقدية تتجاوز ما تتوقعه الأسواق. أما الشركات التي ارتفعت تقييماتها أساسًا بفعل الضجة المحيطة بالذكاء الاصطناعي، فقد تصبح أكثر عرضة للتصحيح إذا جاءت النتائج أقل من التوقعات.
في النهاية، نعم، بدأ الذكاء الاصطناعي يساهم في إعادة تشكيل قطاع الدفاع، وحقق القطاع مكاسب ملحوظة خلال الفترة التي تغطيها البيانات الواردة في المادة. لكن السؤال الاستثماري لم يعد من سيستفيد من هذه الثورة التكنولوجية فحسب، بل من يستطيع تحويلها إلى أرباح مستدامة، وما إذا كان سعر السهم الحالي يترك مجالًا لمزيد من الصعود. فالموجة الأولى من التفاؤل قد تكون انعكست بالفعل على جزء من الأسعار، بينما ستعتمد المكاسب المقبلة بدرجة أكبر على النتائج الفعلية، واستمرار الإنفاق العسكري، وقدرة الشركات على تجاوز التوقعات التي أصبحت الأسواق تضعها أمامها.
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي