معمر عواد
مدير مكتب CNBC عربية في الدوحة
كثيراً ما تخيلت لحظة يخرج فيها إلى العالم عالم من طراز إسحاق نيوتن، لا ليكتشف قانوناً جديداً للحركة، بل ليعلن للبشرية أنه اكتشف مصدراً للطاقة وفيراً، زهيد التكلفة، وربما يقترب من المجانية. لحظة قد تُعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي، وتضع استثمارات تريليونية في قطاع الطاقة أمام اختبار غير مسبوق، وتدفع دولاً وشركات بنت ثرواتها على النفط والغاز إلى إعادة حساباتها، لا بفعل نضوب الموارد، بل بفعل تراجع الحاجة إليها.
قد يبدو الطرح غريباً، والفكرة بحد ذاتها ضرباً من الخيال العلمي، لكن التاريخ يقول لنا إن الثورات الصناعية الكبرى لم تكن مجرد تحسينات تقنية، بل تحولات أعادت توزيع الثروة والنفوذ بين الأمم. ومثلما غيّرت المحركات البخارية والكهرباء والرقمنة شكل الإنتاج والحياة، فإن اختراقاً علمياً في مجال الطاقة قد يجعل كثيراً من المسلّمات الاقتصادية الحالية جزءاً من التاريخ. والسؤال الذي ينبغي أن يشغل الدول المنتجة للنفط والغاز، ولا سيما دول الخليج، ماذا لو أصبح الأمر واقعاً قبل أن تستعد له؟
أزمة مضيق هرمز تقرع الجرس الأول لهذا الاحتمال، وإن من زاوية مختلفة. فالمضيق الذي تعبره ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من الطاقة، يمثل نموذجاً صارخاً لمدى ارتباط أمن الطاقة بعوامل تتجاوز الإنتاج والاحتياطيات. فتعطل الملاحة فيه لا يهدد تدفقات النفط والغاز فحسب، بل يمتد أثره إلى تكاليف الشحن والتأمين، وأسعار الطاقة، والتضخم، وسلاسل الإمداد العالمية.
لكن الدرس الأعمق لا يتعلق بكيفية تجاوز المضيق، أو إنشاء خطوط أنابيب جديدة، أو تعزيز الحماية البحرية. فتلك إجراءات ضرورية لإدارة المخاطر الجيوسياسية، لكنها لا تُعالج أصل المشكلة. ماذا لو تراجعت أهمية النفط والغاز بفعل التكنولوجيا ومخرجات الثورة العلمية، بدلاً من أن تتراجع إمداداتهما بفعل الجغرافيا والسياسة؟ عندها، لن يكون التحدي في كيفية إيصال الموارد إلى الأسواق، بل في مدى حاجة الأسواق إليها أصلاً.
دول الخليج، التي رفعت منذ سنوات شعار تنويع مصادر الدخل عبر رؤى واستراتيجيات وطنية طموحة، تجد نفسها اليوم أمام مفارقة تستحق المراجعة. فقد توسعت قطاعات السياحة والخدمات المالية والعقارات والنقل والتكنولوجيا، لكن تنويع النشاط الاقتصادي لا يعني بالضرورة تنويع مصادر تمويل الدولة. ففي قطر، على سبيل المثال، تمثل الأنشطة غير الهيدروكربونية نحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين تشكل الإيرادات الهيدروكربونية نحو 85% من إجمالي الإيرادات الحكومية. وهي أرقام تكشف الفجوة بين اقتصاد ينتج معظم ناتجه من خارج القطاع النفطي والغازي، وخزانة عامة لا تزال تعتمد عليه بدرجة كبيرة.
المشكلة أن تنويع الاقتصاد قد يتحول إلى إعادة توزيع للإنفاق النفطي على قطاعات جديدة، لا إلى بناء اقتصاد يستطيع تمويل نفسه. وعندها يصبح التنويع تابعاً للمورد الذي يفترض أنه جاء لتقليل الاعتماد عليه. فوجود الفنادق والمطارات والمراكز التجارية وشركات الخدمات لا يكفي إذا ظلت قدرة الدولة على الإنفاق وتمويل التزاماتها رهينة إيرادات النفط والغاز. والاختبار الحقيقي لا يكمن في عدد القطاعات التي تدخل الناتج المحلي، بل في قدرتها على توليد إيرادات مستدامة، وخلق قيمة مضافة، وتوفير فرص عمل، وتمويل جانب متزايد من الإنفاق العام بصورة مستقلة عن عائدات الطاقة.
وما يجعل هذا التحول أكثر إلحاحاً أن البدائل لم تعد مجرد وعود بعيدة. فقد تراجعت التكلفة العالمية لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية على نطاق المرافق بنحو 90% بين عامي 2010 و2024، وفق بيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، فيما انخفضت تكلفة أنظمة تخزين البطاريات بنحو 93% خلال الفترة نفسها. لا تعني تلك الأرقام أن النفط والغاز على وشك الاختفاء، أو أن الطاقة المتجددة باتت قادرة على تلبية جميع احتياجات الصناعة والنقل، لكنها تؤكد أن التكنولوجيا تعيد تشكيل اقتصاديات الطاقة، وتوسع تدريجياً نطاق الخيارات المتاحة أمام الدول والشركات والمستهلكين.
والخطر على الاقتصادات النفطية الريعية لا يتطلب اكتشاف مصدر طاقة مجاني، ولا انهيار الطلب العالمي بين ليلة وضحاها. يكفي أن تصبح البدائل أكثر كفاءة وأقل تكلفة، وأن تتطور تقنيات التخزين والنقل، وأن تتغير أنماط الاستهلاك، حتى تبدأ الاستثمارات القائمة في مواجهة مخاطر لم تكن محسوبة بالكامل. وقد تجد شركات نفسها أمام أصول تفقد جزءاً من قيمتها قبل نهاية عمرها التشغيلي، فيما تواجه الدول المنتجة ضغوطاً على الإيرادات التي تمول موازناتها ومشروعاتها والتزاماتها الاجتماعية.
فالحقول النفطية ومصافي التكرير ومحطات تسييل الغاز وخطوط الأنابيب وناقلات النفط والغاز ليست مجرد أصول قائمة، بل استثمارات طويلة الأجل بُنيت على افتراضات تتعلق بالطلب والأسعار والعائد. وإذا تغيرت هذه المعادلات بفعل التكنولوجيا، فقد تصبح بعض المشروعات أقل جدوى، حتى لو ظلت الموارد موجودة تحت الأرض. والثروة لا تفقد قيمتها بالضرورة عندما تنضب جيولوجياً، فقد تفقد جانباً منها عندما يتراجع الطلب عليها، أو يصبح الحصول على بدائلها أكثر سهولة وأقل تكلفة.
لهذا، لا ينبغي أن تنحصر استجابة الخليج لأزمة هرمز في تأمين طرق التصدير وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. المطلوب مراجعة أعمق للنموذج الاقتصادي، تبدأ من توجيه عائدات الطاقة إلى بناء قطاعات منتجة قادرة على المنافسة والتصدير، وتوسيع قاعدة الإيرادات الحكومية، والاستثمار في البحث والتطوير والابتكار، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد الجديد.
قد لا يظهر «نيوتن» جديد في عالم الطاقة في المستقبل القريب، وربما يظل النفط والغاز ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي لعقود. لكن الرهان على استمرار الحاجة إليهما بالمستويات نفسها ليس استراتيجية اقتصادية، بل افتراض محفوف بالمخاطر. فالثورات العلمية لا تنتظر اكتمال الخطط الوطنية، ولا تمنح الاقتصادات المعتمدة على مورد واحد مهلة مفتوحة لإعادة ترتيب أوضاعها.
أزمة هرمز ليست إعلاناً عن نهاية عصر الوقود الأحفوري، لكنها جرس إنذار بشأن كلفة الارتهان له. والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في مضيق قد يُغلق، أو أسعار قد تنهار، بل في عالم قد يتعلم إنتاج الطاقة بطرق تجعل ما نملكه أقل أهمية مما كان عليه بالأمس.
فالدول التي تنتظر انطفاء الشعلة كي تبحث عن بديل، قد تكتشف أن المشكلة لم تكن في نفاد الوقود، بل في نفاد الوقت.
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي